بداية مؤسّسة الرئاسة في إسرائيل
عند إقامة دولة إسرائيل، قرّر مجلس الدولة المؤقّت (أي السلطة المُنتخَبَة التي سبقت الكنيست) بتاريخ 16 أيّار 1948 اختيار د. حاييم فايتسمان – الذي شغل لسنوات طويلة منصب رئيس المنظّمة الصهيونية – لمنصب “رئيس مجلس الدولة المؤقّت”. في نهاية حرب الاستقلال وبعد الانتخابات للهيئة التأسيسية (ألا وهي الكنيست الأولى)، اختارت الكنيست فايتسمان في تاريخ 17 شباط 1949 ليشغل منصب الرئيس الأوّل لدولة إسرائيل.
بشكل عام، كانت نظرة قيادة الدولة آنذاك بالنسبة لوظيفة رئيس دولة إسرائيل، كما انعكست في نقاشات اللجنة الدستوريّة لمجلس الدولة المؤقّت، مشابهة لرؤيا هرتسل: “ستكون مهامّ الرئيس عبارة عن مهامّ رئيس غير حزبيّ، يمثّل البلاد والشعب بأسرهما، في الداخل والخارج” (من مقترح النقاش في اللجنة الدستوريّة، والذي شكّل جزءًا من مقترح الدستور الذي وضعه د. ليئو كوهين).
سُنّ عام 1951 “قانون ولاية رئيس الدولة 1951″، الذي- كما يدلّ عليه اسمه- لم يتطرّق إلى صلاحيّات رئيس الدولة بل إلى ولايته وإجراءات انتخابه فقط.
في تاريخ 16 حزيران 1964 صادقت الكنيست على “قانون أساس: رئيس الدولة”.
مراسم أداء اليمين للرئيس الاول – حاييم وايزمان
تصوير: دافيد ألدن
وظائف رئيس الدولة
عندما تولّى د. حاييم فايتسمان منصب الرئيس الأوّل لدولة إسرائيل، كان هناك غموض حول صلاحيّات الرئيس وقدرة تأثيره. الأسطر التالية التي كتبها الرئيس فايتسمان تدلّ على مشاعره في ذلك الحين: “أنا أقدّر الشرف الكبير الذي تمنحه هذه الوظيفة لصاحبها، ولكن لم يوضّح لي أحد ما هي الحقوق والواجبات الملقاة على كاهل الرئيس… فمثلاً قيل لي إنّ الرئيس يشكِّل رمزًا. ولكن لم يتسنّ لي حتّى الآن أن أفهم معنى هذا القول المُبهَم وأن أعرف مَن الذي أقرّ هذا المعنى الرمزيّ لرئيس الدولة”.
تنصيب الرئيس اسحق هرتسوغ
تصوير: حاييم تساح/ مكتب الصحافة الحكومي
على مرّ السنين، تمّ تعريف الوظائف الرسميّة للرئيس في قانون الأساس وفي قوانين أخرى، ولذلك فإنّ جزءًا كبيرًا من ذلك الغموض قد تبدّد. ومع ذلك، كان- وما زال- لرؤساء الدولة على مرّ الأجيال تأثير كبير على دولة إسرائيل والمجتمع الإسرائيليّ، وذلك لأنّهم ناشطون في مجالات تتخطّى المخطّط الذي وضعه المُشرِّع، وهذا الأمر ناتج عن شخصيّتهم وتصوّراتهم الفلسفيّة وخلفيّتهم وتأييد الجمهور لهم وثقته بهم.
هناك مَن يسمّي هذا الطابع والقدر من التأثير الذي يتحلّى به الرئيس “القوّة الناعمة” (Soft Power).
في الوقت الذي تدنو به دولة إسرائيل من عامها الثمانين، تتبلور وظائف الرئيس أيضًا بوحي رؤيا الرئيس يتسحاق هرتسوج، الذي يرى أنّ الدولة يجب أن تصل إلى عامها الثمانين وهي أكثر تماسكًا وأقلّ انقسامًا، وتتعامل مع الخلافات التي بداخلها بكلّ شجاعة وبدون خوف، وبصورة تنمّيها وتقوّي متانتها.
يؤمن الرئيس هرتسوج أنّ الطريقة الأنسب لتحقيق هذه الأهداف تستند إلى الإصغاء والاحترام والحوار المتبادل والوعي العميق، وفي نفس الوقت بناء جسور داخليّة قوميّة وإقليميّة ودوليّة.
قانون أساس: رئيس الدولة
يقرّ القانون بأنّ الرئيس هو الذي يترأّس الدولة. يقوم أعضاء الكنيست بانتخاب الرئيس لفترة ولاية واحدة فقط تدوم لسبع سنوات، وتكون الانتخابات سريّة وتُعقَد في جلسة خاصّة.
“قانون أساس: رئيس الدولة” يعدّد سلسلة من الصلاحيّات المُعطاة للرئيس والوظائف الملقاة عليه، وهي كالتالي:
- التوقيع على القوانين بعد المصادقة عليها في الكنيست.
- القيام بالوظائف التي خُصِّصت للرئيس في “قانون أساس: الحكومة”، وأهمّها التكليف بتشكيل الحكومة في نهاية تشاوره مع مُمثِّلي الأحزاب المُنتخَبة.
- تسلُّم أوراق اعتماد المُمثِّلين الدبلوماسيّين للدولة، وتسلُّم أوراق اعتماد المُمثِّلين الدبلوماسيّين الذين أرسلتهم الدول الخارجيّة إلى إسرائيل.
- التوقيع على المعاهدات مع الدول الخارجيّة التي كانت الكنيست قد صادقت عليها.
- القيام بكلّ وظيفة خُصِّصت للرئيس في القانون بخصوص تعيين قضاة وذوي مناصب أخرى وتنحيتهم عن وظيفتهم.
بالإضافة إلى هذه الصلاحيّات، يمنح القانون للرئيس صلاحيّة العفو عن المُخالفين للقانون وتخفيف عقابهم، وهكذا يحدّد القانون بأنّ الرئيس “يقوم بأيّّ وظيفة أخرى وتُمنَح له أيّ صلاحيّة أخرى كانتا قد خُصِّصتا له في القانون”.
صلاحيّات الرئيس
الصلاحيّتان الرئاسيّتان الرسميّتان، اللتان تُعتبران أكثر الصلاحيّات بروزًا وشيوعًا والراسختان في قوانين الأساس في إسرائيل، هما التكليف بتشكيل الحكومة وصلاحيّة العفو.ولكن هناك أيضًا صلاحيّات أخرى للرئيس، ستُفصَّل لاحقًا.
التكليف بتشكيل الحكومة
يوضّح “قانون أساس: الحكومة”، بشكل مفصَّل، الإجراء الرسميّ لتكليف الرئيس أحد أعضاء الكنيست بتشكيل الحكومة، بعد الانتخابات أو في حالة استقالة رئيس الحكومة. تدخُّل الرئيس في هذه المسألة ناجم عن سببين مركزيّين: السبب الأوّل يعود إلى الاستقرار الرئاسيّ الذي يتخطّى فترات ولاية الكنيست والحكومة ويمنح وجهة نظر أخرى شاملة ومختلفة للعمليّة. السبب الآخر يعود إلى قدرة الرئيس، باعتباره رئيس الدولة، على التوفيق بين الوجهات النظر والأحزاب المختلفة، في فترة انتخابات الكنيست التي تُعتبر أكثر الفترات التي تؤدّي إلى استقطاب وانقسام.
حسب القانون، على الرئيس أن يتشاور مع مُمثِّلي الأحزاب في الكنيست، ويكلّف أحد أعضاء الكنيست بتشكيل الحكومة بعد أن كان هذا العضو قد وافق على ذلك. بشكل عامّ، اعتاد رؤساء إسرائيل على إلقاء مهمّة تشكيل الحكومة على الشخص الذي له احتمالٍ عالٍ للقيام بذلك. تجدر الإشارة إلى أنّ الرؤساء عملوا عادةً على توسيع حدود دائرة الائتلاف بحيث تحتوي على أوسع نطاق ممكن من الأنواع والأصوات التي في المجتمع الإسرائيليّ، الأمر الذي سيؤثّر على بلورة السياسة. تشتمل مرحلة التشاور على محادثات يُجريها الرئيس مع مُمثِّلي الأحزاب عن مواضيع الساعة ومسألة تشكيل الحكومة.
مَنْح العفو
مُنِحت لرئيس الدولة الصلاحيّة القانونيّة للعفو عن المُخالِفين للقانون والمُجرمين وتسهيل عقابهم من خلال تخفيض العقاب أو استبداله بعقاب آخر.
كلّ شخص مُخوَّل بنفسه بأن يرسل طلب العفو للرئيس أو من خلال وكيله أو أحد أقاربه الذي تربطه به صلة قرابة من الدرجة الأولى.
يمكن تقديم طلب لرئيس الدولة لتخفيف جميع أنواع العقوبات التي فرضتها المحكمة، بما في ذلك العقوبات التالية: السجن؛ السجن في أعمال خدمة؛ إلغاء رخصة القيادة؛ الغرامة، بما في ذلك غرامات مخالفات السَّيْر والغرامات الإداريّة؛ طلب لتحديد وتعيين فترة السجن المؤبّد، بما في ذلك تقديم طلب لتخفيف عقوبة السجن المؤبّد مرّة أخرى بعد أن كانت قد حُدِّدت وعُيِّنت؛ طلب لتقصير فترة التقادم أو فترة الشطب، بما في ذلك شطب سجلّ مخالفات السَّيْر؛ طلب لتخفيف العقوبة التأديبيّة التي فُرضت على صاحب المهنة المُرخَّص (إبعاد مؤقّت أو إلغاء الترخيص المهنيّ).
حسب السياسة المُتَّبعة، ينظر رئيس الدولة في طلب العفو فقط بعد إتمام جميع الإجراءات القضائيّة المُتعلِّقة بالطلب.
يُحوَّل طلب العفو إلى رئيس الدولة، ومن هناك يُحوَّل إلى قسم العفو في وزارة العدل أو وزارة الأمن، استنادًا إلى سياق الطلب. يتمّ معاينة طلب العفو في نفس الوقت الذي يتمّ فيه جَمْع المعلومات والتقارير اللازمة من أجل اتّخاذ قرار، بما في ذلك جمع المعطيات والحصول على تقارير من هيئات أخرى لها صِلة. في نهاية هذه الإجراءات، يتبلور رأي ويُعرَض أمام وزير العدل أو الأمن قبل كتابة اقتراحهما لرئيس الدولة.
على مرّ سنين قيام مؤسّسة العفو، يُعبِّر منح العفو عن رؤيا الرئيس وتصوّراته الفلسفيّة وقِيَمه، التي جميعها تؤثِّر بمدًى كبير على مَنْح العفو أو عدم منحه.
إنّ توقيع رئيس الدولة على كلّ عفو مُستوجِب أيضًا لتوقيع الوزير الذي له صلة.
المجتمع الإسرائيليّ
أحد الأهداف غير الرسميّة لمؤسّسة الرئاسة على مرّ الأجيال، ولكنّه يُعتبر هامًّا، هو إتاحة الفرصة لجميع الفئات السكّانيّة في المجتمع الإسرائيليّ أن تُعبِّر عن نفسها، وفي نفس الوقت إلقاء الضوء على أوساط ومجالات مختلفة- استنادًا إلى رؤيا الرئيس.
الهدف الذي يضعه جميع رؤساء إسرائيل نصب أعينهم خلال فترة رئاستهم هو تعزيز التعهُّد الإسرائيليّ المتبادل، وأهميّة إبداء الرأي حول كلّ مواطن وفئة سكّانيّة. المهامّ المركزيّة وغير الرسميّة التي يقوم بها الرئيس خلال فترة رئاسته هي كالتالي: تنمية المَنَعة القوميّة والتماسك الاجتماعيّ، مع الأخذ بالحسبان الفسيفساء الإسرائيليّة المُركَّبة والمُتنوِّعة، وتعزيز الوطنيّة والتضامن الاجتماعيّ والشعور بالانتماء. نتيجةً لذلك، يعمل الرئيس يتسحاق هرتسوج كثيرًا على القضايا التي تتعلّق بالوصل والتوفيق بين الفئات المختلفة، وإنشاء حيّز رسميّ ولائق وآمن للجدال والنقاش في مواضيع حسّاسة.
بالإضافة إلى ذلك، يعمل الرئيس على بناء مُحرِّك مركزيّ لتطوير القيادة المستقبليّة لإسرائيل والعالَم اليهوديّ.
انعكس اهتمام رؤساء إسرائيل بمختلف الفئات السكّانيّة التي في المجتمع الإسرائيليّ من خلال إنشائهم لبنى تحتيّة متينة للتضامن الاجتماعيّ، وسعيهم لتقليص التصدّعات القائمة في المجتمع.
علاوة على ذلك، تناول رؤساء إسرائيل على مرّ الأجيال القضايا التي تتعلّق بيهوديّة الدولة- من الناحية التاريخيّة والدينيّة والثقافيّة.
التوقيع على القوانين
على الرئيس أن يوقّع على القانون كي يدخل إلى حيّز التنفيذ بشكل رسميّ، وهذا الأمر ينطبق على جميع القوانين باستثناء القوانين التي تتعلّق بصلاحيّات الرئيس. يظهر توقيعه بجانب توقيع رئيس الحكومة أو الوزير.
إنّ توقيع الرئيس على القانون في إسرائيل هو أمر واجب، ولكنّه مع ذلك لا يمكنه أن يعرقل سريان مفعول القانون.
تسلُّم أوراق اعتماد الدبلوماسيّين وتعيين القضاة
إحدى وظائف الرئيس هي تسلُّم أوراق اعتماد المُمثِّلين الدبلوماسيّين في إسرائيل والمصادقة على تفويض مُمثِّلي إسرائيل خارج البلاد. بالإضافة إلى ذلك، يعيّن الرئيس جميع الدرجات القضائيّة في إسرائيل ويوقّع على وثائق تعيين القضاة والقضاة الربّانيّين والقضاة في المحاكم الإسلاميّة. كما أنّ الرئيس يعيّن أصحاب المناصب المختلفة كما هو مُحدَّد في القانون، ومن بينهم رئيس المجمع الوطنيّ الإسرائيليّ للعلوم والآداب، رئيس سلطة إعادة تأهيل السجين، رئيس منظّمة نجمة داوود الحمراء، أعضاء مجلس التعليم العالي وأعضاء المجلس القوميّ للبحث والتطوير المدنيّ، وغير ذلك.
وظائف إضافيّة
بالإضافة إلى الصلاحيّات المُحدّدة في القانون، الكثيرون يعتبرون مؤسّسة الرئاسة، التي يمكن تسميتها “السلطة الرابعة”، ركنًا ضروريًّا ومباركًا في نظام الحكم في إسرائيل، خاصّةً لأنّ نشاطاتها وتأثيرها تتجاوز مخطّط الصلاحيّات الذي حُدِّد لها في القانون.
لمجرّد كونه يعلو على السياسة، يشكّل رئيس الدولة مصدر دعم للكثيرين والكثيرات من جميع فئات المجتمع الإسرائيليّ، وشخصيّة تُعنى بالتوفيق تعمل في بيتها الذي هو أيضًا بيت الشعب.
كما أنّ الرئيس يعمل على تأسيس وقيادة شراكات محليّة ودوليّة رائدة، في المواضيع المختلفة التي تتعلّق بنشاطاته واهتماماته كمواجهة أزمة المناخ التي تهدّد مستقبل البشريّة.
إنّ مجرّد وجود شخصيّة وَصْل تترأس الدولة يساهم كثيرًا في قدرة الجمهور على أن يتراءى له الإطار الرسميّ للدولة والتماهي معها. هكذا فإنّ مؤسّسة الرئاسة تساهم في الشعور بالاستقرار، الكامن أيضًا في الفصل القائم اليوم بين الانتخابات الرئاسيّة وانتخابات الكنيست.
العلاقات الخارجيّة
إحدى وظائف الرئيس المعروفة والهامّة هي تمثيله لدولة إسرائيل أمام المجتمع الدوليّ ويهود الشتات، رغم أنّ هذه الوظيفة لم تُذكَر في “قانون أساس: رئيس الدولة” بشكل واضح.
يتمّ إطلاع الهيئات الحكوميّة ذات الصلة بمغادرة الرئيس للدولة؛ صحيح أنّ مؤسّسة الرئاسة تتمتّع باستقلاليّة رئاسيّة إلّا أنّ هناك أفضليّة كبرى لحقيقة أنّ مؤسّسات السلطة في إسرائيل تعمل بالتنسيق مع بعضها البعض وتتعاون فيما بينها.
إنّ زيارة الرئيس لدُوَل العالَم تُشكِّل في بعض الأحيان زيارات تاريخيّة تضع حجر الأساس لترسيخ العلاقة مع زعماء العالَم وشعوبهم.
كما أنّ العلاقة مع يهود الشتات التي يقودها رئيس الدولة ساهمت- وما زالت تساهم- كثيرًا في إنشاء جسور متبادلة ذات معانٍ وتأثيرات كثيرة بين يهود الشتات وإسرائيل، وفي التأثير على ما يحدث في العالَم اليهوديّ.
الرئيس كشخصيّة تمثيليّة
ما يقوّي ويعزّز ثقة الجمهور برئيس الدولة هو اعتبارهم له، على مرّ السنين، على أنّه شخص قادر على سدّ الثغرات والفجوات وأنّ لا دخل له في الخلافات السياسيّة. لذلك فإنّ مؤسّسة الرئاسة تتمتّع بأهميّة خاصّة لكونها تمثّل الدولة وتُمكّن المواطنين من التماهي معها، سواء كان ذلك في أوقات الأزمات والتحدّيات أو في أوقات الفخر والأمل.
زوجة الرئيس- السيّدة الأولى لإسرائيل
إنّ وظائف ومجالات نشاط زوجة رئيس الدولة، أي “السيّدة الأولى لدولة إسرائيل”، ليست مُعرَّفة في القانون أو الأنظمة الإداريّة بشكل رسميّ. على مرّ السنين، اهتمّت كلّ واحدة منهنّ بالمواضيع التي اعتبرتها هامّة من وجهة نظرها، كما وعملت كلّ واحدة منهنّ على تنمية المجالات الاجتماعيّة والمُجتمعيّة الهامّة بالنسبة لها والقريبة إلى قلبها. يمكنكم إيجاد تفاصيل حول رؤيا ونشاط السيّدة الأولى، ميخال هرتسوج، في القسم المُخصّص لذلك في الموقع
شخصيّة الرئيس
أعضاء الكنيست هم الذين ينتخبون الرئيس، وانتخابهم له، على ما يبدو، هو سياسيّ. ولكن من ناحية أخرى، المعنى التمثيليّ والرمزيّ لمؤسّسة الرئاسة وحقيقة أنّ الانتخابات التي تُجرى بين أعضاء الكنيست لانتخاب رئيس الدولة هي سريّة، أدّيا إلى اختيار الرؤساء الذين كانوا بشكل عامّ ذوي مكانة، رفعة وقد ساهموا للمشروع الصهيونيّ والدولة، وحظوا بتأييد كبير من كافة شرائح الشعب.
الكثيرون من يهود العالَم لا ينظرون إلى الرئيس على أنّه رئيس دولة إسرائيل فحسب، بل يعتبرونه رئيسًا لكلّ الشعب اليهوديّ. رئيس دولة إسرائيل يشبه رئيس السنهدرين في فترة المشناه والتلمود- فبموجب منصبه ومكانته يعمل على تمثيل إسرائيل وإسماع صوتها أمام رؤساء الدول، الشخصيّات الرفيعة والمؤسّسات الهامّة في جميع أنحاء العالَم.
لقد ورد ما يلي في إطار حكم قضائيّ للمحكمة العليا عن شخصيّة الرئيس وماهيّة مؤسّسة الرئاسة: “يمثّل الرئيسُ الدولةَ، وقيمها الأخلاقيّة والديمقراطيّة… باعتباره رئيسًا للدولة فهو يمثّل كيان الدولة، والخطوط التي توحّد وتربط بين التيّارات المختلفة في المجتمع الإسرائيليّ. من المُفترَض أن يعكس بشخصيّته الخير، الجمال والأخلاق التي تميّز الجمهور الإسرائيليّ. من المُفترَض أن يشكِّل قدوة للآخرين بطريقة تأديته لوظيفته وبِنَهْج حياته الخاصّة أيضًا” (محكمة العدل العليا 5699/07 فلانة (أ) ضد المستشار القضائي للحكومة).
زيارة الرئيس الرابع إفرايم كتسير إلى أشكول
تصوير: موشي ميلنر/ مكتب الصحافة الحكومي
مصدر لقب “رئيس”
ورد اللقب “رئيس” في الأصل في التوراة. بنو حثّ القاطنون في حبرون قالوا لإبراهيم “أنت رئيس من الله بيننا” (سفر التكوين، إصحاح 23، آية 6)، كما أنّ قادة أسباط بني إسرائيل دُعُوا بالرؤساء.
في فترة الهيكل الثاني وكذلك أيضًا في فترة المشنا والتلمود، دُعِي مَن ترأس السنهدرين “الرئيس”- ورئيس السنهدرين هو الشخص الذي ترأس المؤسّسة الدينيّة والقضائيّة العليا لليهود في أرض إسرائيل، كما أنّه الشخص الذي مثّل الشعب أمام السلطات الرومانيّة.
منح المؤتمر الصهيونيّ الأوّل لقب “رئيس” لبنيامين زئيف هرتسل، مؤسِّس المنظّمة الصهيونيّة. يستعرض هرتسل في روايته “الأرض القديمة الجديدة” رؤيته للدولة اليهوديّة، وفيها طالب المؤتمر بانتخاب رئيس واحد كلّ سبع سنوات. بحسب هرتسل، فإنّ وظيفة الرئيس ستكون تمثيلية بالأساس، حيث تهدف إلى حلّ الخلافات السياسيّة وترمز إلى الوحدة الوطنيّة.
تمثال بنيامين زئيف هرتزل في حديقة منزل الرئيس
تصوير: المكتب الاعلامي لرئيس الدولة.
قانون أساس: رئيس الدولة
في عام 1964 سُنّ “قانون أساس: رئيس الدولة”، وفيما يلي أركانه الرئيسيّة:
- ·رئيس دولة إسرائيل هو الذي يترأّس الدولة.
- مكان مقرّ إقامة الرئيس هو القدس.
- كلّ مواطن إسرائيليّ، من سكّان الدولة، أهْلٌ بأن يترشّح لمنصب رئيس الدولة.
- يحقّ لعشرة أعضاء كنيست أن يقترحوا اسم مُرشَّحة أو مُرشَّح لمنصب رئيس الدولة.
- الكنيست تنتخب الرئيس من خلال تصويت سريّ، وبعد انتخابه يقوم بأداء يمين الولاء أمامها.
- مدّة ولاية رئيس الدولة هي سبع سنوات. كانت فترة ولاية الرئيس في الماضي (حتّى تعديل القانون عام 1998) خمس سنوات، وكان بالإمكان انتخاب الرئيس لأكثر من ولاية واحدة.
- يمنح القانون رئيس الدولة حصانة جوهريّة بكلّ ما يتعلّق بمنصبه أو صلاحيّاته. تعني هذه الحصانة أنّ الرئيس لا يمتثل أمام المحكمة لأمر يتعلّق بمهام منصبه أو صلاحيّاته. الحصانة الجوهريّة تهدف إلى حماية مكانة الرئيس باعتباره يترأس الدولة ويعلو على جميع السلطات الأخرى.
- بالإضافة إلى الحصانة الجوهريّة، يحظى الرئيس أيضًا بحصانة قضائية، إذ لا يمكن مثوله أمام القضاء الجنائيّ (مع ذلك- يمكن استجواب الرئيس وأخذ إفادته). تنتهي مدّة صلاحيّة الحصانة القضائية مع انتهاء فترة ولاية الرئيس.
- يمكن للرئيس أن يتوقّف عن تأديته لوظيفته بشكل مؤقّت (بموافقة الكنيست) في ثلاث حالات: السفر خارج الدولة؛ طلب الرئيس من الكنيست بأن يكفّ عن تأديته لمهامه (مهما كان السبب)؛ عندما يقرّر ثلثا أعضاء الكنيست بأن يوقفوا الرئيس عن تأديته لمهامّه بسبب وضعه الصحيّ.
- إذا لم يكن هناك رئيس للدولة لأحد الأسباب المذكورة أعلاه أو إذا تُوفّي الرئيس قبل انتخاب رئيس جديد، فَمن سيقوم بأعماله في هذه الحالة هو رئيس الكنيست.
- يسمح القانون بتنحية الرئيس عن منصبه من خلال إجراء جلسة استماع تديرها لجنة الكنيست، وفقط بموافقة 90 عضو كنيست.
عَلَم الرئيس
عَلَم الرئيس هو الرمز الذييمثّل رئيس دولة إسرائيل. شكله مُربّع، وخلفيّته زرقاء مع هامشَيْن فضّيَّيْن، وتتوسّطه أوراق زيتون، وشمعدان وكلمة إسرائيل (الأخوان جبريئيل ومكسيم شمير هما مَن صمّما هذا الرمز).
رغم التشابه الكبير بين عَلَم الرئيس وشعار الدولة إلّا أنّ هناك عدّة فروق بينهما. فمثلاً، عَلَم الرئيس مُربّع بينما شعار الدولة على شكل تُرس، وبالإضافة إلى ذلك، لون الشمعدان، وأغصان الزيتون وكلمة “إسرائيل” تظهر جميعها باللون الأبيض أو الرماديّ المائل إلى الفضيّ في عَلَم الرئيس، أمّا في شعار الدولة فهي تظهر باللون الذهبيّ.
إنّ عَلَم الرئيس معدّ ليرمز إلى وجود رئيس الدولة، في الاحتفالات والمناسبات الرسميّة عادةً. لذلك، من المُتّبع مثلاً رفع عَلَم الرئيس في مبنى الكنيست وهيئتها عند إقامة احتفال بحضور رئيس الدولة. رفع عَلَم الرئيس هي جزء من مراسم استقبال الكنيست لرئيس الدولة، وهو يُنزَل عن العمود مع مغادرة الرئيس لمبنى الكنيست. عَلَم الرئيس معروض في مكتب رئيس الدولة بشكل دائم، كما أنّه موجود في قاعة القدس (“قاعة الاجتماعات”) وفي قاعة المناسبات والاحتفالات في مقرّ إقامة الرئيس؛ كما أنّه مرفوع مع سائر أعلام الدولة في حديقة مقرّ إقامة رؤساء إسرائيل.
تمرير رمز الرئيس بين الرئيس المنتهية ولايته رؤوفين ريفلين والرئيس الحالي يتسحاق هرتسوغ
تصوير: حاييم تساح/ مكتب الصحافة الحكومي
صورة الحكومة التقليدية مع خلفية رمز الرئيس
تصوير: افي اوحيون
السلطة الرابعة: حول المركز الرئاسي: يينون جوتل كلاين
لطالما انطوى الخطاب الإسرائيليّ على التشكيك في أهمية مؤسّسة الرئاسة، معتبرًا إياها رمزًا فضفاضًا، متغاضيًا عن تأثيرها العميق على الدولة على مدار سنوات طويلة. في نظرة إلى الوراء، وإلى المستقبل أيضًا، نكتشف خلاف ذلك
“أنا أعرف مؤسّسة الرئاسة”، قال الرئيس يتسحاق نافون لرفاقه في حزب العمل، “كنت أعرف جيدًا ما ينتظرني. أنا متيّقن مما سأفعل في فترة ولايتي. لذلك، لست بحاجة لمزيد من الصلاحيات”. “هذا ليس قرارًا حكوميًّا”، قال الرئيس يتسحاق بن تسفي لمساعده، “أريد أن أبديَ رأيي في هذا الشأن”.
على الرغم من أوجه الشبه بين الرئيسيْن المقدسيْين، بن تسفي ونافون، من المفاجئ جدًا إيجاد اقتباسات متشابهة لهما بخصوص حدود صلاحيات رئيس دولة إسرائيل. لِمَ يُعتبر الأمر مفاجئًا؟ لأنّه رئاستهما للدولة تمّت ضمن إطار سياسيّ مختلف تمامًا: تولى الرئيس بن تسفي منصبه عندما كانت السلطة التنفيذيّة بقيادة صديقه المقرّب بن غوريون، رفيق دربه منذ كانا شابين صغيرين. دارت بينهما بالطبع خلافات وخيبات أمل، ولكن لا شكّ في أنّ الحوار بين مؤسّسة الرئاسة من ناحية والحكومة ورئيسها من ناحية أخرى كان حوارًا وديًا وحميميًا، قائمًا على أسس متشابهة وخلية مشتركة. أما الرئيس نافون، فقد تولى هذا المنصب عندما كان بيغن رئيسًا للحكومة، والذي لم يترعرع على أسس مختلفة ومعاكسة فحسب، بل كان أيضًا العدو اللدود لزعيمه الحزبيّ. على الرغم من ذلك، فقد كان واضحًا لكلّ من بن تسفي ونافون ما هي صلاحيات الرئيس- كما عرفا مدى تأثيرهما خارج حدود هذه الصلاحية.
خطاب الصلاحيات الرئاسيّة، والذي يرافق دولة إسرائيل منذ قيامها (وحتى قبل ذلك)، كان وما زال وسيبقى قاعدة أساسيّة لكثيرٍ من الخلافات وسُبل التعبير عن وجهات النظر المختلفة؛ ولكنّ الجدّل حامي الوطيس حول الصلاحيات هو مجرّد غيض من فيض في الجدَل العام الدائر- أو الذي يثار من حين لآخر- حول مؤسّسة الرئاسة الإسرائيليّة، أهميتها، تأثيرها والطريقة التي تعبر بها عن نفسها في الحيز العام.. ادّعى الرئيس حاييم هرتسوغ أنّ “رئاسة دولة إسرائيل تنطوي إلى حد كبير على سوء فهم”، إذ يبدو فعلًا أنّ مؤسّسة الرئاسة في إسرائيل هي الأكثر مراوغةً، قياسًا بالمؤسّسات الأخرى: فهي تعتبر من ناحية- واجهة العرض الأزليّة؛ ومن ناحية أخرى- يستحيل تفسيرها ويصعب حلّ لغزها. حتى أنّ الحملات الانتخابيّة لرئاسة الدولة، بعفويتها وضبابيتها، على مدار السنوات الماضية، لم تساهم في فهمها. وعليه، تبقى مؤسّسة الرئاسة متغيّرًا مجهولًا، تَرى ولا تُرى، أو ربما لا تبدو على حقيقتها.
تدعو هذه المقالة لتبديد الضباب الذي يلفّ مؤسّسة الرئاسة الإسرائيليّة ويسلّط الضوء على أهميتها وتأثيرها، وذلك من خلال الاطلاع بشكل معمّق على النظريّة والممارسة- وعلى الطريقة التي انتهجها رؤساء إسرائيل لبلورة وظيفتهم هذه على مر السنين.
جدول زمنيّ- انتخابات الكنيست وتشكيل الحكومة
- يوم الانتخابات للكنيست
- الموعد الأخير لنشر نتائج الانتحابات بشكل رسميّ: خلال ثمانية أيّام من يوم الانتخابات تُنشَر نتائج الانتخابات في السجلّات (المادّة 11 من قانون الأساس: الكنيست).
- حسب العادة المُتَّبعة، يقوم رئيس لجنة الانتخابات المركزيّة بتقديم النتائج لرئيس الدولة، يوم نَشْر النتائج الرسميّة.
- التشاوُر مع الكُتَل البرلمانيّة
- الموعد الأخير للتكليف بتشكيل الحكومة – على الرئيس أن يكلِّف أحد أعضاء الكنيست بتشكيل حكومة، بعد التشاوُر مع الكُتَل البرلمانيّة خلال سبعة أيّام من يوم نشر نتائج الانتخابات (المادّة 7(أ) من قانون أساس: الحكومة)
- بعد أن كلّف الرئيس أحد أعضاء الكنيست بتشكيل حكومة، عليه أن يُطْلِع رئيس الكنيست بذلك وعلى رئيس الكنيست أن يُطلِع الكنيست بذلك (المادّة 13(أ) من قانون أساس الحكومة).
متابعة العمليّة حسب قانون أساس: الحكومة (المُشار إليه فيما يلي: “قانون الأساس”)
التواريخ الدقيقة تتعلّق بالموعد الذي يكلِّف به الرئيس تشكيل الحكومة.
1. حسب المادّة 8 في قانون الأساس، يُمنَح عضو الكنيست الذي كلّفه الرئيس بتشكيل الحكومة 28 يومًا ليشكِّل الحكومة. يجوز للرئيس أن يمدّد هذه الفترة، ولكن ليس لأكثر من 14 يومًا (أي الفترة الإجماليّة لا تزيد عن 42 يومًا).
2. إذا مرّت الفترة التي أُعطيت لعضو الكنيست ولم يستطع أن يشكِّل حكومة خلالها، أو إذا أبلغ الرئيس بأنّه لا يستطيع تشكيل حكومة أو إذا عُرضت حكومة ولكنّ الكنيست رفضت طلب منح الثقة للحكومة- ففي هذه الحالة تتوفّر للرئيس إمكانيّتان، وعليه اختيار إحداهما فقط، خلال ثلاثة أيّام (المادّة 9(أ) لقانون الأساس):
- تكليف عضو كنيست آخر بتشكيل الحكومة، كان قد أبلغ الرئيس بأنّه مستعدّ لأخذ هذه المهمّة على عاتقه. الفترة التي تُمنَح لعضو الكنيست الذي كلّفه الرئيس بتشكيل الحكومة (في الدورة الثانية) هي 28 يومًا، ولا يمكن تمديد هذه الفترة أبدًا (االمادّة 9(ج) في قانون الأساس).
- إبلاغ رئيس الكنيست بأنّه لا يرى أنّ هناك أيّ إمكانيّة لتشكيل حكومة.
3. يُخوَّل للرئيس بأن يشاور مُمثِّلي الكُتَل البرلمانيّة في الكنيست مرّة أخرى قبل أن يختار أحد هذين الخيارَيْن (المادّة 9(ب) في قانون الأساس).
4. إذا اختار الرئيس أن يُبلِغ رئيس الكنيست بأنّه لا يرى أنّ هناك إمكانيّة لتشكيل حكومة أو إذا كلّف عضو كنيست آخر بتشكيل الحكومة (في الدورة الثانية) ولم يستطع تشكيل حكومة، أو إذا أبلغ عضو الكنيست الرئيسَ بأنّه لا يستطيع تشكيل حكومة أو أنّه عرض حكومة ولكنّ الكنيست رفضت منح الثقة للحكومة- عندها معظم أعضاء الكنيست مُخوَّلون بأن يطلبوا من الرئيس كتابيًّا بأن يكلِّف عضو كنيست مُحدَّدًا بهذه المهمّة، كان قد وافق على ذلك كتابيًّا، وذلك خلال 21 يومًا (المادّة 10(أ) في قانون الأساس).
5. إذا قُدِّم طلب كهذا- فعلى الرئيس أن يكلِّف عضو الكنيست الذي ورد اسمه في الطلب بهذه المهمّة خلال يومين (المادّة 10(ب) في قانون الأساس) والفترة التي تُمنَح لعضو الكنيست الذي كُلِّف بهذه المهمّة هي 14 يومًا لتشكيل الحكومة (المادّة 10(ج) في قانون الأساس).
6. إذا لم يقم معظم أعضاء الكنيست بتقديم طلب أو إذا لم يشكّل عضو الكنيست حكومة (في الدورة الثالثة)، أو إذا أبلغ الرئيس بأنّه لا يستطيع تشكيل حكومة أو إذا عُرضت حكومة ولكنّ الكنيست لم تمنحها الثقة- فذلك يُعتبر أنّ الكنيست قرّرت حلّها قبل نهاية موعدها، وعندها يجب إجراء انتخابات خلال 90 يومًا (المادّة 11 في قانون الأساس).
7. إذا نجح عضو الكنيست في تشكيل حكومة (في كلّ واحدة من الدورات)، فعليه أن يُبلِغ رئيس الدولة ورئيس الكنيست بذلك، وعندها تُحدَّد جلسة لتشكيل الحكومة خلال سبعة أيّام (المادّة 13(ب) في قانون الأساس).